ابن أبي الحديد
4
شرح نهج البلاغة
على هذه الفئة التي تلقونها غدا ، فان نصر جعل ذلك حجه له عند أصحابه ، وسماها معجزة ، وإن لم ينصر ، قال : لهم تغيرت نياتكم وشككتم في قولي ، فمنعكم الله نصره ، ونحو ذلك من القول ، ولأنه قد جرت العادة أن الملوك والرؤساء يعدون أصحابهم بالظفر والنصر ، ويمنونهم الدول ، فلا يدل وقوع ما يقع من ذلك على إخبار عن غيب يتضمن إعجازا . والقسم الثاني : في الاخبار المفصلة عن الغيوب ، مثل هذا الخبر ، فإنه لا يحتمل التلبيس ، لتقييده بالعدد المعين في أصحابه وفى الخوارج ، ووقوع الامر بعد الحرب بموجبه ، من غير زيادة ولا نقصان ، وذلك أمر إلهي عرفه من جهة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعرفه رسول الله صلى الله عليه آله من جهة الله سبحانه . والقوة البشرية تقصر عن إدراك مثل هذا ، ولقد كان له من هذا الباب ما لم يكن لغيره . وبمقتضى ما شاهد الناس من معجزاته ، وأحواله المنافية لقوى البشر ، غلا فيه من غلا ، حتى نسب إلى أن الجوهر الإلهي حل في بدنه ، كما قالت النصارى في عيسى عليه السلام ، وقد أخبره النبي صلى الله عليه وآله بذلك ، فقال : ( يهلك فيك رجلان محب غال ، ومبغض قال ) . وقال له تارة أخرى : ( والذي نفسي بيده ، لولا أنى أشفق أن يقول طوائف من أمتي فيك ، ما قالت النصارى في ابن مريم ، لقلت اليوم فيك مقالا ، لا تمر بملا من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة )